المقريزي

194

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

من الكروم في هتور من ماء النيل مرّة واحدة تغريقا . وجميع أراضي مصر تقاس بالفدّان ، وهو عبارة عن أربعمائة قصبة حاكمية طولا في عرض قصبة واحدة ، والقصبة ستة أذرع وثلثا ذراع بذراع القماش ، وخمسة أذرع بذراع النجار تقريبا . وقال القاضي أبو الحسن في كتاب المنهاج : خراج مصر قد ضرب على قصبة في المساحة اصطلح عليها زرع المزارع على حكمها ، وتكسير الفدّان أربعمائة قصبة لأنه عشرون قصبة طولا في عشرين قصبة عرضا وقصبة المساحة تعرف بالحاكمية ، وهي تقارب خمسة أذرع بالنجاري . ذكر أقسام مال مصر اعلم أن مال مصر في زمننا ينقسم قسمين : أحدهما يقال له : خراجيّ ، والآخر يقال له : هلاليّ . فالمال الخراجيّ : ما يؤخذ مسانهة من الأراضي التي تزرع حبوبا ونخلا وعنبا وفاكهة ، وما يؤخذ من الفلاحين هدية مثل الغنم والدجاج والكشك وغيره من طرف الريف . والمال الهلاليّ عدّة أبواب ، كلها أحدثوها ولاة السوء شيئا بعد شيء ، وأصل ذلك في الإسلام أن أمير المؤمنين ، عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، بلغه أن تجارا من المسلمين يأتون أرض الجند ، فيأخذون منهم العشر ، فكتب إلى أبي موسى الأشعريّ ، وهو على البصرة أن خذ من كل تاجر يمرّ بك من المسلمين من كل مائتي درهم خمسة دراهم ، وخذ من كل تاجر من تجار العهد ، يعني أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما ، ومن تجار الحرب ، من كل عشرة دراهم درهما ، وقيل لابن عمر : كان عمر يأخذ من المسلمين العشر ، قال : لا ، ونهى عمر بن عبد العزيز عن ذلك ، وكتب : ضعوا عن الناس هذه المكوس فليس بالمكس ، ولكنه النجس . وروي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أتاه ناس من أهل الشام فقالوا : أصبنا دواب وأموالا فخذ منها صدقة تطهر نابها ، فقال : كيف أفعل ما لم يفعل من كان قبلي ؟ وشاور ، فقال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : لا بأس به إن لم يأخذه من بعدك ، فأخذ عن العبد عشرة دراهم ، وكذلك عن الفرس وعن الهجين ثمانية ، وعن البرذون والبغل خمسة . وأوّل من وضع على الحوانيت الخراج في الإسلام أمير المؤمنين أبو عبد اللّه محمد بن أبي جعفر المنصور في سنة سبع وستين ومائة وولي ذلك سعيد الجرسي . وأوّل من أحدث مالا سوى مال الخراج بمصر أحمد بن محمد بن مدبر لما ولي خراج مصر بعد سنة خمسين ومائتين ، فإنه كان من دهاة الناس ، وشياطين الكتاب ، فابتدع في مصر بدعا صارت مستمرّة من بعده لا تنقض ، فأحاط بالنطرون وحجر عليه بعد ما كان مباحا